الإثنين, 26 فبراير, 2024 , 3:34 م
د. غالي أبو الشامات

في رثاء المجاهد إبراهيم الغويل : “العمل بصمت في ظل نبح الكلاب »

بقلم / د. غالي أبو الشامات

أيها الفقيد الغالي كيف أبدأ و من أين أبدأ، هل أقول شاعر، هل أقول محامي، هل أقول كاتب، مقاوم، مناضل، فقيه، معلم، استاذ، فيلسوف، بروفيسور، قومي، عربي، عروبي، ناصري، شمولي، إسلامي، علامة، عالم، مناظر، محاور، مدقق، ماذا أقول. لأنك ببساطة جميع هؤلاء، و هل لأحد يجمع جميع هذه الألقاب و لا يستحقها!

أنت حقاً تستحق كلمات اكثر مما قيل، كان ضميرك حي بكل ما للكلمة أن تعني، كُنت فارس اللغة و القانون والفلسفة و الدين و القومية التي لطالما ناضلت و كافحت من أجلها.

و آسفاه على زمن ناضلت فيه و من أجله و لم تلقى ما تستحق من شكر و تقدير و استجابة على عملك الدؤوب. لان كل ما قيل أو يُقال لا يستوفي حقك على المواطن الليبي بشكل خاص و العربي بشكل عام.

كبير السن، صغير الروح، مرح، مُحب، معطاء، لا تبخل على أحد بنصيحة أو استشارة أو استفاضة أو تحليل. وطنك الحقيقي هو أي بقعه في هذا الوطن العربي، لأنك فعلاً عروبي أصيل و قومي حقيقي لا يعرف الحدود التي رسمها الاستعمار.

الراحل إبراهيم الغويل

ليس عندي أدنى شك أنك بلا شك فريدٌ في ذكائك، نادر في أخلاقك، متواضع في معاملاتك.

من هو هذا الرجل الذي استطاع أن يجذب انتباه الرئيس عبد الناصر مدة تجاوزت السبع ساعات متواصلة و هو في السابعة عشر من عمره.

لا شك هذا الرجل أنت و لا شك ان الرئيس عبد الناصر صاحب رؤية و حنكة حتى التقط رجل مثلك و استثمر ذكائه الفريد و اندفاعه المستميت و إيمانه الكبير بالعرب و العروبة.

دائماً أردد مقولة “أزهد الناس بالرجل أهله و جيرانه”، و لعلنا لم و لن نوفي حق هذا الرجل الفريد، هذا الرجل القامة العلمية و الأدبية الكبيرة.

لعل عدم انتشار اسم المناضل ابراهيم الغويل لدى العامة من الناس يعود إلى عدم ظهوره الكثيف اعلامياً و انشغالاته بأمور بعيدة عن الإعلام و تحقيق مقولة «العمل بصمت في ظل نبح الكلاب».

كان يحب القلم و القلم يحب تدويناته و عزفة الصامت، القراءة و الكتابة لم تفارقه حتى مماته، و كان أغلب الوقت يعيش في ظل القرآن الكريم، يغوص في بحاره و يطفوا بآياته فوق سطح الكون.

فارس الكلمة و فارس المنابر و فارس الادب و فارس المرأة، فارسهم بقول الحق و الدفاع عنه حتى الممات.

بالنسبة لليبيا، كان القامة الأدبية و الفكرية و الثقافية و القانونية و الثورية بأدق تفاصيلها، و كان ابناً باراً لليبيا و كانت به هي محبة.

لم يكن الراحل يمثل ليبيا بمجال واحد فقط، بل مثلها في الكثير من المجالات، دبلوماسياً، ثورياً، نضالياً، فكرياً، استشارياً، علمياً، أدبياً، قانونياً، عروبياً، قومياً، و اسلامياً. كان رحمه الله عبقري، و كيف لا و قد أسس مدارس و مناهج تعليمية و فكرية و اسلامية.

كان الفقيه ابراهيم الغويل كريم الى ابعد الحدود، كريم بعلمه و افكاره و ماله و جهده و صحته، كان لا يبخل على احد بأي شيء، و اهم من ذلك كان يقبل النقد و المحاوره و النصيحة و الاستشارة من اي احد.

هكذا يكون العظماء، و نعم يا استاذ ابراهيم لقد كُنتَ عظيماً، محباً، كريماً، خلوقاً….

“عربي لا يساوم، مسلم لا يناور.

مسكون بثنائية (العروبة و الإسلام)، اللتين يراهما قطبين أساسين في التكامل، لا بد من تظافرهما حتى يشيد البناء الحضاري، و لا يستغني أحدهما عن الآخر، ليس بالضرورة أن يكون (عربيا) منغلقا أو (إسلاميا) متطرفا.”

استاذ ابراهيم، ما هذه الهمة العالية ايها الانسان المتميز، و المتميزون قلائل في اوطاننا.

لقد كُنتَ مشروع وطني في شخص، كُنتُ حزب في شخص، كُنتَ مدرسة في شخص، كُنتَ عروبي في شخص.

و الحق اقول، لا يعلم احد من اي بلد انت، لانك تتكلم عن جميع الدول العربية انهم واحد، فقد كُنتَ نِعم المواطن الصالح و ضمير الشعوب الحية.

الابتسامة لا تفارق وجهك الجميل، و هندامك الانيق لا يُظهر صلابة المحارب بداخلك، و فصاحةُ لسانك لا تُظهر قوة و حديّة كلمتك، و تكوينك لا يُظهر العملاق الخارق داخلك.

كان لا بُد من امرأة عظيمة مثل الدكتورة نعيمة الساحلي زوجتك ان تُعجب بك، و كيف لا و انت سيد الاناقة و صاحب الخُلق الرفيع و الابتسامة الساحرة، و الحضور اللطيف و المحارب الاغر.

و اكثر من هذا، فقد كُنتَ نِعم الحبيب الوفي الذي ظل يعشق و يحب و يدعو حتى بعد وفاتها مدة ثلاثة عشر عاماً سبقتك هي بها الى الرفيق الاعلى. فكانت وفاتها بمثابة زلزال هز ابراهيم الغويل من اعماقه و اخرج منه سيفه الذي يحارب به و سقط درعه الذي يحامي به، و كأن وفاتها رحمها الله صرخة في اعماق ابراهيم الغويل.

ليت في وطننا ابراهيم الغويل اخر، هذا الرجل الذي جاهد و حارب و كافح على مر عقود من اجل وحدة العرب و عزة العرب و انتصار العرب.

استاذ ابراهيم، بوفاتك نطوي صفحات كثيرة، جزءٌ منها يروى و جزء يبقى طي الكتمان، الا اننا سوف نفتقد رجلاً قل مثيله و اباً حنوناً و فارساً شجاع.

يا حبيب القلب كيف لي ان ارثيك و قد كُنتُ ارى من خلال ابتسامتك لي منطلقاً للحياة و مبعث سرور و محبة، كيف لي ان ارثيك في بضعة اسطر هنا و هناك، كيف لي ان ارثيك و انت ما انت بالنسبة لي…..

الفقيد الراحل مع الرئيس جمال عبد الناصر

 

اترك رد

%d