بقلم دكتورة /وفاء الجندي
————————————
شهد الاقتصاد المصري هذا الأسبوع تطورًا بارزًا مع إعلان البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بنسبة 2%، وهو قرار يعكس ثقة متنامية في قدرة الاقتصاد على التعافي واستعادة الاستقرار.
هذا القرار لم يأتِ في فراغ، بل جاء مدعومًا بجملة من المؤشرات الإيجابية التي رسمت مشهدًا مختلفًا للأسواق المصرية في الداخل والخارج.
*البورصة المصرية تقفز 20%
في الأشهر القليلة الماضية، ارتفع مؤشر البورصة المصرية بنسبة 20%، مدفوعًا بقطاعات البنوك والبناء والاقتصاد بشكل أساسي، مما أعطى إشارة واضحة على قوة السوق الداخلية وقدرتها على جذب الاستثمارات.
• بنك CIB: ارتفع سهمه بنسبة 27%، وهو سهم يمثل نحو ثلث مؤشر EGX، ما يجعله قاطرة أساسية لحركة السوق.
• الشرقية للدخان: حققت أسهمها ارتفاعًا بنسبة 29%.
• المصرية للاتصالات: قفز سهمها بنسبة 36%.
هذه الطفرات ليست مجرد أرقام، بل دلالات على ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد المصري، ووجود قطاعات قادرة على النمو بقوة.
*استثمارات قطرية ضخمة.. وتحول استراتيجي في العلاقات
الحدث الأبرز كان زيارة رئيس الوزراء القطري إلى القاهرة، حيث أعلن عن ضخ 7.5 مليار دولار استثمارات مباشرة في مصر، منها 4 مليارات دولار لمشروع “ منطقة علم الروم” في الساحل الشمالي، في محاولة لتكرار تجربة الإمارات في “رأس الحكمة”.
اللافت أن هذا التدفق الاستثماري يأتي بعد سنوات من التوتر، لتتحول قطر من خصم سياسي كان ينفق أموالًا لدعم جماعات معادية للدولة المصرية، إلى حليف سياسي واقتصادي يضخ مليارات في السوق المصري. وهو نجاح للدبلوماسية المصرية التي أعادت صياغة التحالفات الإقليمية بذكاء، لتصب في النهاية في صالح الاقتصاد الوطني.
*تركيا أيضًا.. من خصومة إلى شراكة استراتيجية
لم يكن الأمر مقتصرًا على قطر وحدها، فتركيا التي كانت يومًا خصمًا سياسيًا لمصر، دخلت اليوم في شراكات صناعية وعسكرية مع القاهرة، من بينها تصنيع طائرات بدون طيار واتفاقية لتطوير مقاتلات “قان” من الجيل الخامس. هذه الخطوات تكشف أن مصر لا تبني اقتصادها فقط، بل تعيد تشكيل موقعها الاستراتيجي في المنطقة.
*التضخم يتراجع والعملة تنتعش
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تراجع معدل التضخم في مصر إلى 13.9% في يوليو 2025، بعد أن كان 38% في سبتمبر 2023. بالتوازي، ارتفع الجنيه المصري بنسبة 5% أمام الدولار، مدفوعًا بتدفق الاستثمارات وتحسن المؤشرات المالية.
*قطاع الطاقة.. اكتشافات مصرية خالصة
وزارة البترول أعلنت عن اكتشاف جديد في الصحراء الغربية بطاقة إنتاجية تصل إلى 1835 برميل يوميًا من النفط الخام و7 ملايين قدم مكعب من الغاز. والأهم أن هذا الاكتشاف تم بأيادٍ مصرية 100%، ما يعكس توجه الدولة نحو بناء تكنولوجيا وطنية مستقلة قد تؤسس لاحقًا لشركات مصرية عملاقة على غرار “بي بي” و”إكسون موبيل”.
*السياحة والتحويلات والصادرات.. مصادر قوة إضافية
• السياحة: حققت مصر استقبال 7.7 مليون سائح منذ بداية 2025، وهو رقم يعكس تعافيًا ملحوظًا للقطاع.
• تحويلات المصريين بالخارج: سجلت 36.5 مليار دولار لعام ٢٤-٢٥ بنسبة زيادة 66.2% عن عام ٢٣-٢٤.
• الواردات الدولارية: بلغت 8.5 مليار دولار، وهي موارد محلية بعيدًا عن الأموال الساخنة.
• الصادرات غير النفطية: ارتفعت إلى 25 مليار دولار في النصف الأول من 2025، بنسبة نمو 20%.
*البطالة تتراجع إلى 6.1%
انخفض معدل البطالة إلى 6.1% خلال الربع الثاني من 2025، وهو أدنى مستوى منذ سنوات طويلة، مع إضافة 223 ألف مشتغل جديد، وانخفاض العاطلين بمقدار 57 ألف شخص، وارتفاع قوة العمل إلى 33 مليون فرد.
*المعوقات والتحديات
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى أمام الاقتصاد المصري تحديان رئيسيان:
1. مراجعة صندوق النقد الدولي في سبتمبر وأكتوبر القادم، خاصة وأن الحكومة لم تعد تتحدث عن اطروحات بيع أصول، ما يعكس اتجاهًا جديدًا لتوفير النقد الأجنبي عبر الاستثمار المباشر والتجارة.
2. الحرب في غزة، التي ما زالت تعيق عمل قناة السويس بكامل طاقتها، مع خسائر تقدر بنحو 7 مليارات دولار، ما يضع ضغوطًا إضافية على الميزان التجاري.
*الخلاصة/
إن تخفيض الفائدة لم يكن مجرد قرار نقدي، بل رسالة ثقة في الاقتصاد المصري، مدعومة بمؤشرات إيجابية على مستويات التضخم، العملة، الصادرات، الاستثمار، الطاقة، والسياحة. في الوقت نفسه، فإن العبقرية في الإدارة المصرية تجلت في تحويل خصوم الأمس إلى شركاء اليوم (قطر وتركيا)، وفي بناء اقتصاد متماسك رغم كل العوائق.
مصر لم تعبر الأزمة بعد، لكنها وضعت نفسها على مسار واضح نحو اقتصاد قوي ومستدام، ودور محوري في صياغة القرارات الإقليمية والدولية.