الباحث السياسى دكتور حسن صابر

مراحل تطور الحياة الفنية في أوروبا منذ القرن السادس عشر


المرحلة الثانية ( مرحلة عصر الباروك )

المعلم الكبير كارافاجيو ( الجزء الرابع )

بقلم / دكتور حسن صابر

كارافاجيو . . ذلك المعلم العظيم . . وبقدر ماكان فقيراً مادياً ، إلا أنه كان غنياً فنياً . . ،لا تكفي مقالات كثيرة أو مجلدات كبيرة في إحتواء ما أبدعه من فن . . أحاول أن أن أكون مختصراً جداً معكم ، لكنني ها هنا وصلت للجزء الرابع من الكتابة عنه ، ولا أعلم متى سأنتهي لأصل إلى مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل تطور الفن منذ القرن السادس عشر ، ولأكتب عن غيره من الفنانين الذين أبدعوا في المراحل اللاحقة لمرحلة عصر الباروك .

قام كارافاجيو بإضفاء جوٍ درامي على مشاهد لوحاته الواقعية ، من خلال لجوئه إلى استغلال تفاوت الضوء والظلال . . كان له تأثير كبير على الفنانين الذين جاؤوا بعده ، وأطلق اسمه على تيار فني شمل كامل أوروبا .

أهم اعماله :

* موت العذراء ( 1571 – 1610) ( المحفوظة باللوفر ) هى أيضاً صورة ريفية وطدت مدرسة »الطبيعيين« في إيطاليا والواقعيين في اسبانيا والأراضي المنخفضة

* سلة الفواكه 1595

* نرسيس ( 1597 – 1599 )

هذه اللوحات الثلاث سأعرضها هنا مع الشرح في هذا الجزء الرابع من هذه المقالات عن كارافاجيو ، أما بقية اللوحات ستعرض في أجزاء أخرى

* الدفن ( 1604)

* قارئة البخت 1594-1595، محفوظة في متحف اللوفر باريس

* الموسيقيون 1571-1610 توجد اللوحة حاليًا في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك . . ويظهر في اللوحة ثلاثة من المغنيين وعواد جميل ، وقد تراكم عليها التراب ثلاثة قرون قبل أن يعثر عليها في متجر للتحف القديمة بشمالي إنجلترا حوالي 1935 ، وبيعت لجراح بمبلغ مائة جنيهاً ، ثم اشتراها متحف المتروبوليتان ب نيويورك (1952) بخمسين جنيهاً

* لوحة ” لاعبو الورق ” المحفوظة بمجموعة روتشيلد بباريس ، وهى اللوحة التي أكسبت كارافاجيو شهرة دولية

* لوحة ” مادونا ديل روزاريو ” « والتي بلغ ثمنها 1800 جولدن باوند جمعت من فناني أنتورب لشرائها وإهدائها إلى كنيسة القديس بولس

* لوحة ” عشاء عمواس ” وهى تصوير قوي لأشكال الفلاحين

أحدث كارافاجيو ما يشبه الثورة في مزاج التصوير الإيطالي واسلوبه ، وقد أحب التناقضات العنيفة بين الضوء والظل ، واستخدم حيلاً كإضاءة المنظر من مدفأة مخفاة ، وشكل صوره بالضوء ، وأخرجها من خلفية معتمة ، روع العصر بواقعيته التي أشرفت على الوحشية فكان إذا تناول موضوعاً دينياً يجعل الرسل والقديسين يبدون وكأنهم عمال ضخام غلاظ نقلهم من أرصفة الموانئ ، وقد درجت الكنيسة على رفض صور كارافاجيو الدينية باعتبارها مسرفة في الابتذال مفتقرة إلى السمو ، أما اليوم فهي مشتهى كل عشاق الفن .

غريبة هي سيرة كارافاجيو ومواضيع فنه ، وما يثيره من جدل حتى الآن ، عبر اكتشاف لوحات فنية قيل بأنها له ، ولا تزال محور دراسة إن كانت بالفعل هي له أم لا ؟ على بدايات القرن السابع عشر كان النحات والخليفة الذي تم رعايته تحت أحضان الكنيسة ليخلف المعلم الأول مايكـل انجيـلو ، جون لارينزو بيرنيني ، علامة مبشرة على ولادة نجم بارز قد يتفوق على المعلم الأول . . فهو شاب صغير أكمل منحوتة وعمره لا يتجاوز الثامنة من العمر ، وعلى الجهة الأخرى بعيداً عن أحضان الكنيسة ، كان كارافاجيو أشهر فنان في روما ، يقصف بأعمال وصفها المؤرخ الفني سايمون شاما بدراما الشوارع .

اللوحات الفنية عند الكنيسة الكاثوليكية في تلك الفترة ، ليست مواد للتزيين ، أو إعطاء شكل جمالي للمكان المراد فيه وضع لوحة من التراث الديني ، بل كان الهدف الأول هو استعمالها كسلاح في حرب الروح ؛ بمثابة خطاب موجه للذين لا يعرفون قراءة الكتاب المقدس ، فتكون هذه اللوحات بمثابة بديل ، يقص من خلاله الفنان ما تريد أن تبشر به الكنيسة ، بأجمل صورة وأروع صياغة .

لم يكن كارافاجيو مهتماً برسم لوحة عن الجنة أو تجسيد أحداث من الكتاب المقدس ؛ ليس لأنه لا يعرف أو لا يستطيع ، لكنه كان يفضل أن يرى بعينيه ما يرسمه على اللوحة فتنتقل ملكة الرسم من سعة الخيال إلى غرفة الأستوديو : ينظر بعينيه ويرسم فقط .

الأشكال الفنية قبل كارافاجيو تظهر بصورة مثالية ، لا تحمل أي عوامل لمرور الزمن عليها كأنها صورة مثالية ممتلئة بالحياة . . في لوحة Basket of fruit مثلاً مجموعة من الفواكه تم تجميعها في سلة ، لكن ما هو جديد في فن كارافاجيو أن الشجر في اللوحة يحمل عوامل الموت والحياة . . ها هنا قطعة من الشجر الأخضر تحمل علامة من علامات الفناء ، ولسوف يتقدم إلى أن يصل إلى الفاكهة ذاتها ، حتى تحِلُّ عليها دورةُ الطبيعة . . في لوحة أخرى يرسم شاباً مريضاً يحمل قطع من العنب . . وفي أحد الأفلام السينمائية عن كارافاجيو ، سأل الكاردينال الرسام : لماذا رسمت الفتى وهو يحمل علامات المرض ؟ قال الرسام أنه كان مريضاً طوال الصيف ولم يجد بداً من رسم اللوحة بهذا الشكل . . ثم أن اللوحة تمثل الحياة وليست بفن .

في لوحة Death of the virgin شكل آخر مختلف عن ما سبقه ، وإن كان هذه المرة عبر تصوير كائن بشري حسب التراث المسيحي ، حيث أن وفاة العذراء ليست وفاة بالمعنى الحقيقي للموت . . لكن في هذه اللوحة تظهر ككائن طبيعي ميت ، فأثارت هذه اللوحة السخط في الكنيسة نظراً لطريقة الرسم الجديدة والمختلفة عن ما سبقها من صبغة ملائكية ، وكذلك لطريقة عمل الرسام في اللوحة ، إذ قيل بأن المرأة المرسومة كانت بالفعل لفتاة ميتة تم وضعها في مكان كارافاجيو المقدس ، ليصدم الكنيسة ويحدث ثورة في الفن .

هنالك مهارة تشير إلى موهبة كارافاجيو : الضوء والظل . . هذا التلاعب الذي مصدره نافذة أو مدفئة يرفع من طابع الإثارة بتركيزه على الفعل الكائن في الصورة . . لوحة مثل The calling of saint Matthew تحمل هذا التضاد الذي مصدره نافذة خلفية تشطر اللوحة لقسمين : الظل الذي يفرض تحيزه عبر إلغاء جزء من مكونات المكان ، والضوء الذي يتجه مباشرة للرجل الذي يشير إليه المسيح بإصبعه . . خمسة أشخاص : أي واحد فيهم يشير إليه الاتجاه ؟ هو ذلك الجال

اترك رد

×

%d مدونون معجبون بهذه: