كل سنة ومصر بخير

كل سنة ومصر بخير

بقلم – عادل اسكندر

جلست مع عدد من أصدقائي نستعيد ذكرياتنا الجميلة.. وتأملنا كيف مضت السنة تلو الأخرى، فقال أحدهم :» لقد مرت سنوات كثيرة منذ هجرتنا إلى كندا..!!»

بالفعل لقد مرَّ أربعون عاماً منذ وصولنا إلى بلاد المهجر أو الوطن الثانى كما يطلقون عليه…

ولكن لم تزل فرحة العيد فى مصرعالقة بأذهاننا جميعاً ،وعمل الكعك فى المنازل وارساله للأفران وانتظاره ليعود ساخناً ونرش عليه السكر البودرة..

أيام جميلة وذكريات لاتنسى.. تذكرنا سوياً كيف كانت الأبواب مفتوحة دائماً وللجميع، وكيف كنا نزين شجرة الكريسماس ونضع الهدايا تحتها ونستعد لاحتفالات رأس السنة والسهرات التى تتجمع فيها الأسرة بأكملها والجيران وكأن مصر كلها عائلة واحدة..

وتمر الأيام الأولى من العام الجديد والجميع فى انتظار عيد الميلاد المجيد «مولد السيد المسيح ملك السلام» وتتوالى الزيارات، إنها حقاً من ذكريات الطفولة والشباب الجميلة التى تشعرنا دائماً بالحنين لذلك البلد العظيم مصر وشعبها وأهلها.

ثم تطرق الحديث بين الأصدقاء للتغيرات التي حصلت في مجتمعاتنا، وكيف تحولت هذه البهجة إلى الكعك الجاهز والبسكويت بالكليو وكله طعم واحد بلا روح وبدون بهجة العيد الحقيقية وفرحة اللمة والسهر والضحكات التى كانت تملأ أرجاء البيوت… والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا اختفت مظاهر الأعياد والبهجة؟!

وجاء الرد من أحد الأصدقاء قائلاً: «لأن الحياة الأسرية الآن تعتمد على دخل الأم والأب معاً، وذلك لايترك مجالاً أو وقتاً كافياً لمثل هذا المجهود الذى تتطلبه هذه المظاهر».. واعتقد ان هذا قد يكون سبباً من الأسباب.. وأضف إليه اسلوب الحياة السريع ومتطلبات الحياة ادت إلى التنازل واستبدال الكعك والبسكويت بالجاهز والملابس من التفصيل إلى الملابس الجاهزة.. و..و

أما عن التواصل الإجتماعي بين الناس فحصل إختلاف كبير فى التواصل بين بعضهم البعض.

فقد استبدلوا المكالمات التليفونية بالرسائل القصيرة عبر الجوال «الموبايل»، والمقابلات واللقاءات بالفيس بوك، ووصل بنا الحال حتى أن المعايدات أصبحت صورة وترسل رسالة صغيرة للجميع عامة من غير أسماء ولاتوقيع ولامعايدات شخصية أو لمسات محبة وخصوصية… ذات مرة كنت جالساً في المطعم ،وفي الطاولة المجاورة لنا كان يجلس شاباً وشابة كل واحد يمسك بالموبايل خاصته ولايتحدثان مع بعضهما، وكل منهم إما يتصفح «الفيس أو التوتير أو الواتس أب»!!.

لدرجة اننى اعتقدت انهما لايعرفان بعضهما ولكن جلسا معاً لضيق المكان.. ومن الجائز جداً انهما يتحاوران عبر الرسائل بدلاً من الحديث وجهاً لوجه!!!..

حتى الشباب فقدوا الخصوصية والحميمية فى العلاقات وتجد فتوراً فى العلاقة ولا مبالاة بالأحاسيس والمشاعر.

وعلق احد الأصدقاء ان عدداً كبيراً من حالات الزواج والتعارف بين الشباب والشابات الآن يتم عن طريق «الفيس بوك» ..

أحنُّ أنا وأصدقائي لذلك الزمن الماضي الجميل حيث المشاعر الإنسانية الصادقة والحياة البسيطة من دون تعقيدات الزمن الحالي….

انتقلنا من جيل أحمد رمزى ورشدى أباظة وجيل بأكمله تتلمذ على أسلوبهم وشقاوتهم وجميلات الجيل سعاد حسنى وشادية ونجلاء فتحى ومرفت أمين وتتلمذت على أيديهن كل بنات ذلك الجيل بجماله ودلعه وشياكته وابتسامته…

حتى المصيف كان يختلف عما هو عليه الآن ، وكان عندنا كابينة فى شاطئ جليم وكنا نقضي الصيف فى سعادة وراحة وشقاوة ورياضة، لم يُسمع وقتها عن تحرش ولا اغتصاب ولامعاكسات قذرة، وكان المجتمع راقياً ومحترماً بالإجتماعات الأسرية ذات الطابع المميزمن الإنفتاح المغلّف بالتربية السليمة والأخلاق الحميدة.. أما الآن وللأسف فقد تحولت الإسكندرية بعد هدم الكبائن إلى شواطئ لاخصوصية ولاشياكة فيها وحتى الشباب تغيرت معالمهم لأنهم تتلمذوا على يد عبده موته ومحمد سعد!!.

عرفتوا بقى الفرق.. عرفتوا بقى تأثير الفن على الأجيال.. عرفتوا بقى كيف تغيرنا وتغير مظهرنا، حتى طريقة اللبس ومشينا وراء الموضة والبنطلونات النازلة والتاتو، حتى الذقن أصبحت موضة!!

وبعودة إلى التكنولوجيا والحياة السريعة التي نعيشها؛ كنت في ذلك اليوم جالساً مع أحفادي ولاحظت أنه بالرغم من كمية الألعاب المتنوعة التي يملكونها فلقد اصبحوا يقضون معظم أوقاتهم على «الموبايل والآي باد والألعاب الإلكترونية» والأخوة لايوجد بينهم الألعاب أوالأحاديث المشتركة التي تساعد على تنمية روابط الأخوة فيما بينهم ؛ على عكس أيام زمان الحلوة حيث كنا ننزل إلى الشارع ونلتقى مع أخوتنا وأقاربنا وأصحابنا ونلعب ونتحدث ونتكلم عما بداخلنا.. كل ذلك ذهب وانعدم بالتكنولوجيا الحديثة..

رغم كل مزايا التكنولوجيا وتقدم العلم وما قدمته للبشرية ولكننا مازلنا مصرين على أخذ أسوأ ما فيها… وأصبح أسهل شئ أنك تعطى للطفل «الموبايل» أو»الآي باد» يلعب به لأنك ليس عندك الوقت الكافي لتمضيته مع الطفل ومحادثته.!!

اثبتت الدراسات ان الجيل الجديد الذى يتعرض لأشعة الموبايل والكمبيوتر يتأثر فى سلوكه وعلاقته بالمجتمع وثقافته الاجتماعية، وبناء عليه صدرت التعليمات من أولادي لأطفالهم بمنع استعمال هذه الأجهزة خلال أيام الأسبوع ويُسمح بإستعمالها ساعتين فقط فى عطلة نهاية الأسبوع…

إنني أتعجب إلى أين ستصل بنا التكنولوجيا!!

الحياة الاجتماعية تأثرت جداً جداً.. وبالتالي المجتمع يتغير بسرعة كبيرة ،لقد فقدنا خصوصياتنا فأصبح الموبايل يرن ويزعج فى أي وقت وفي أي مكان وفي أي حالة ولكن للأسف أصبحنا لانستغني عنه، وغيره وغيره….

سألنى والدي رحمة الله عليه يوماً إلى أي درجة سنصل بعد أن أصبح الفاكس يُرسل الورقة عبر التليفون، وكان هذا بالنسبة له قمة الإعجاز العلمي في ذلك الوقت، وتوفي أبي رحمه الله قبل أن يصاب بخيبة الأمل في الفاكس!!!

تصور اليوم أنك تشاهد فرح صديق لك من أي بلد في العالم في نفس اللحظة على تليفونك..!!

السادة القراء، اسمحوا لي أن أرسل لكم جميعاً كلمات حب ومحبة وتقدير، وأتمنى لكم جميعاً الصحة والعافية والسعادة وأن يحل عليكم العام القادم وأن يكون أحسن من أعوام مضت وأن يسعدكم ويفرح قلوبكم … على فكرة هذه الكلمات لاتغني أن أرسل لكم كارت معايدة أو اتصل بكم تليفونياً لأني «دقة قديمة» ومن جيل يقدس الحياة الإجتماعية والعلاقات الإنسانية ولإنني تعلمت شوية «فيس بوك» سأرسل إليكم المعايدة أيضاً على الفيس.!!

كما أود أن أقدم شكراً خاصاً للقائمين على العمل معي والذين يبذلون كل طاقاتهم حتى تظل جريدة المصري ومجلة المحروسة حائزتان على محبة وتقديرالسيدات والسادة القراء ..

وختاماً آملُ أن نستقبل جميعاً العام الجديد وعيد الميلاد المجيد ونحن في حالة مصالحة كاملة مع نفوسنا ومع بعضنا، ونسأل ملك السلام «يسوع الميسح» أن يعم السلام علينا وعلى بلادنا وعلى مصرنا المحروسة الغالية

وإلى أن نلتقي العام القادم لكم مني كل الحب والتقدير

اترك رد

×

%d مدونون معجبون بهذه: