السلام لا يولد في المؤتمرات الدولية بل في عقول الناس

الباحث السياسى دكتور حسن صابر

بقلم – الدكتور حسن صابر

قام بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل بزيارة سلطنة عمان في 26 أكتوبر عام 2018 ، وإصطحب معه زوجته ، ووفد إسرائيلي تضمن يوسي كوهين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ، ومائير بن شبات مستشار الأمن القومي الإسرائيلي . . وعقب إنتهاء الزيارة عقد يوسف بن علوي وزير خارجية سلطنة عمان في ذلك الوقت مؤتمراً صحفياً للتعليق على الزيارة ، وفي بداية المؤتمر توجه أحد الصحفيين بسؤال إلى الوزير كان فيه من الإدانة لهذه الزيارة أكثر مما فيه تساؤلاً ، فقاطعه وزير الخارجية العماني قائلاً :

” إن سلطنة عمان دولة مستقلة ذات سيادة ، ولا نقبل أي تدخلٍ في قرارتنا السيادية ”

كان ذلك أيضاً هو موقف الإمارات العربية بعد أن إرتفعت بعضُ أصواتٍ مستنكرةً قرار التطبيع مع إسرائيل ، وبعد مظاهرات في قطاع غزة حُرِقَت فيها أعلام الإمارات ، وصور الشيخ محمد بن زايد ، وكانت الإمارات هى ثالث دولة عربية تُطَبِّع مع إسرائيل بعد مصر والأردن ، ولن تكون الأخيرة .

أذكر أنني كنت من المؤيدين لإتفاقية السلام التي وقعها الرئيس المصري أنور السادات مع مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل عام 1979 . . وكانت أسباب تأييدي لهذه الإتفاقية المصرية الإسرائيلية تتلخص في النقاط الآتية :

1- أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة و لا تقبل أي تدخل في قراراتها السيادية .

2- أن إسرائيل أصبحت حقيقةً واقعةً ، ودولة معترف بها من كل دول العالم .

3- أن المكاسب التي يمكن تحقيقها للقضية الفلسطينية من خلال السلام مع إسرائيل يمكن أن تكون أضعاف المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال العداء لإسرائيل ، خاصة في ظل التردي والضعف العربي .

4- أن الرئيس السادات كان أكبر من أن يزايد عليه الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية ، فهو الزعيم العربي والمصري الوحيد الذي ألحق بإسرائيل أول هزيمة عسكرية قاسية في أكتوبر 1973 ، وخلصنا من عار هزيمة يونيو 1967 ، وإنتقم لدماء مئات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا في حروبنا مع إسرائيل ، فكان بحق هو إختيار الأقدار لهذه المهمة الصعبة في ظل التفوق العسكري لإسرائيل ، ودعم أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم لها وهى الولايات المتحدة الأمريكية .

5– أن مصر كانت وستبقى أكبر من أن يزايد عليها الذين حاربوا إسرائيل بحناجرهم ، ومازالوا ، بينما سقط في الحروب مع إسرائيل مئات الآلاف من المصريين ما بين قتيل وجريح ، كذلك خسرت مصر خسائر إقتصادية هائلة ، ترتبت عليها خسائر فادحة في كافة نواحي الحياة

6- كنت أخشى لو أن السادات سعى للصلح مع إسرائيل بمجرد توليه مهام منصبه . . كنت أخشى أن يذهب إلى تل أبيب منهزماً منكسراً بعد حرب يونيو 1967 ، وحينئذٍ كان سيرضخ لشروط قاسية علينا ، يفرضها المنتصر على المهزوم ، لكن السادات إختار الطريق الأصعب . . طريق الحرب وهزيمة إسرائيل ، ثم بعد ذلك ، يتفاوض معها من موقع قوة المنتصر ، وليس من موقع ضعف المهزوم .

وفي يوم 19 نوفمبر عام 1977 بدأ السادات زيارته التاريخية للقدس – أي بعد 4 سنوات من حرب أكتوبر 1973 – فكانت هذه الزيارة هى الخطوة الأولى في عملية السلام بين مصر وإسرائيل ، والتي إنتهت بتوقيع معاهدة السلام في كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأمريكية وتحت رعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ، وذلك في يوم يوم 26 مارس عام 1979 . . كانت المحاور الرئيسية فيها هى :

  • إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل .

  • انسحاب إسرائيل من سيناء التي احتلتها عام 1967 بعد حرب الأيام الستة .

  • تضمنت الاتفاقية أيضاً ضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس ، واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية .

  • تضمنت الاتفاقية أيضاً البدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة .

  • التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 .

  • وكجزء من الاتفاق ، بدأت الولايات المتحدة تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر ، والمساندة السياسية لحكوماتها اللاحقة . . ومنذ اتفاقات كامب ديفيد للسلام في عام 1978 حتى عام 2000 قامت الولايات المتحدة بتقديم الدعم للقوات المسلحة المصرية بمساعدات تزيد قيمتها على 38 مليار دولار ، وتتلقى مصر حتى الآن حوالي 1.3 مليار دولار سنويا .

قوبلت هذه المعاهدة بجدل هائل في جميع أنحاء العالم العربي حيث أدينت واعتبرت طعنة في الظهر ، وكان الشعور بالغضب قوياً بوجه خاص بين الفلسطينيين . . من ناحية أخرى ، قادت المعاهدة كلاً من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن لتقاسم جائزة نوبل للسلام عام 1978 لإحلال السلام بين الدولتين ، فكانت هذه الجائزة رسالة قوية فحواها أن السلام الدائم ليس إنجازاً واحداً ، ولكنه بيئة والتزام .

على الصعيد العربي كان هناك جو من الإحباط والغضب لأن الشارع العربي كان آنذاك لايزال تحت تأثير افكار الوحدة العربية وافكار جمال عبد الناصر ، خاصة في مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن ، وقد أدت الإتفاقية إلى نشوء نوازع الزعامة الإقليمية والشخصية في العالم العربي لسد الفراغ الذي خلفته مصر ، وكانت هذه البوادر واضحة لدى القيادات في العراق وسوريا ، فحاولت الدولتان تشكيل وحدة في عام 1979 ، لكنها انهارت بعد اسابيع قليلة ، وقام العراق على وجه السرعة بعقد قمة لجامعة الدول العربية في بغداد في 2 نوفمبر 1978 ورُفِضَت فيها اتفاقية كامب ديفيد ، وتقرر نقل مقر الجامعة العربية من مصر ، وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها . . شاركت بهذه القمة 10 دول عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعرفت هذه المجموعة العربية باسم ” جبهة الرفض ” ، وفي 20 نوفمبر 1979 عقدت قمة تونس العادية ، وأكدت على تطبيق المقاطعة على مصر ، وازداد التشتت في الموقف العربي بعد حرب الخليج الأولى ، إذ انضمت سوريا وليبيا إلى صف إيران ، وحدث أثناء هذا التشتت غزو إسرائيل للبنان في عام 1982 بحجة إزالة منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان ، وتمت محاصرة العاصمة اللبنانية لعدة شهور . . من ناحية أخرى نشات فكرة “الاتحاد المغاربي” الذي كان مستنداً على أساس الانتماء لأفريقيا وليس الانتماء للقومية العربية . . وكانت هذه كلها تبعات محاولة عزل مصر عن أشقائها العرب .

إستمر الفلسطينيون في الإحتجاجات والمظاهرات المعادية لمصر ، وأحرقوا علم مصر وصور الرئيس السادات . . تماماً كما يحدث هذه الأيام بحرق أعلام الإمارات والبحرين وصور الشيخ محمد بن زايد والملك حمد بن عيسى . . لكن الواقع يظهر أن المظاهرات والإساءات ضد مصر والرئيس السادات كانت أشد بمراحل مما يحدث هذه الأيام ضد الإمارات والبحرين ، مما يشير إلى أنه بينما كان السلام محرماً بصورة قطعية بيننا وبين إسرائيل منذ 40 عاماً ، أصبح الآن ممكناً ، ويشق طريقه في الشرق الأوسط .

مشكلتنا في العالم العربي أننا عاطفيون ، ولا نؤمن بمعايير إصطلحت دول العالم المتحضر على الأخذ بها في علاقاتها . . مازال فينا من يؤمن بالوطن العربي ، والوحدة العربية ، والتاريخ المشترك ، والمصير المشترك ، والعدو المشترك ، واللغة المشتركة ، والدين الواحد . . كلها معايير عفا عنها الزمن ، وأصبحت من الماضي ، ولم تورثنا سوى التخلف والهزائم في كل الميادين . . بينما الذي يحكم علاقات دول العالم ببعضها هي المصالح المشتركة ، وموازين القوى ، وما غير ذلك فهو جمودٌ فكري ، وضياعٌ للوقت ، وتبديدٌ للثروات البشرية والطبيعية . . في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم ؛ بل هناك مصالح دائمة . . ومن هنا يمكننا أن نتفهم موقف الإمارات ثم البحرين من التوقيع على إتفاقية التطبيع مع إسرائيل .

هل من الحكمة أن نعادي قوتين على حدودنا ونحن أضعف منهما ؟ . . إذا لم يكن ممكناً أن نصادق القوتين ، فعلى الأقل يجب علينا أن نسالم إحداهما . . إيران على حدود منطقة الخليج ، ولا تخفي رغبتها في السيطرة على الدول الخليجية وإحياء تراث الإمبراطورية الفارسية ، وتلهث حالياً لإمتلاك السلاح النووي ، كذلك فإن إسرائيل دولة لم تكن صديقة ، وتمتلك بالفعل السلاح النووي .

عندما تتطلع إسرائيل لعلاقات متميزة مع دول عربية وخليجية وأفريقية ، فإنها تسعى خلف مصالحها ، فلو جعلنا من مصالحها هذه مصالح مشتركة بيننا وبينها ، حينئذ يمكننا حل القضايا الكثيرة العالقة بينها وبين الفلسطينيين . . لقد جربنا الحروب مع إسرائيل ، وجربنا المقاطعة ، وجربنا الشكوى للمنظمات الدولية . . فهل نجحنا في إسترداد الحقوق الضائعة للفلسطينيين ، أو في إسترداد الأراضي التي إحتلتها إسرائيل في سوريا ؟ . . لم ننجح في شئ ، بل فشلنا في كل شئ . . فلماذا لا نجرب طريقاً جديداً . . طريق ربط المصالح المصرية الإسرائيلية ، أو المصالح الأردنية الإسرائيلية ، أو المصالح الخليجية الإسرائيلية ؛ كلها في النهاية ستكون لفائدة المصالح الفلسطينية الإسرائيلية . . وفي النهاية لا يمكن أن يكون هناك سلام دون عدل .

كح

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: