الدبلوماسية الثقافية العُمانية تتواصل بين القاهرة ومسقط وفيلنيوس

 

 

 

مسقط، خاص: الوطن المصرى – فاطمة بدوى

 

يُعد البعد الثقافي أحد الأبعاد الدبلوماسية والثوابت والمعطيات التي من خلالها استطاعت سلطنة عُمان أن ترسم سياستها الخارجية بناء على تلك الثوابت، ويأتي في مقدمة تلك المعطيات اعتماد سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وتنتهج في ذلك سياسة الاعتدال والتسامح الثقافي والحضاري والديني مع الجميع، والعمل على نشر التسامح والمحبة والسلام بين جميع الشعوب.

فالبعد الثقافي وبعبارة أخرى الدبلوماسية الثقافية أصبحت عنصرا فاعلاً في تنفيذ السياسات الخارجية العُمانية، ولم يعد مفهوم القوة الناعمة “الأدوات الثقافية والفنية” مجرد ترف لفظي لاستيعاب تطور قنوات التبادل الثقافي والفني من أشكاله البدائية إلى  أكثر مظاهره التكنولوجية في سياق عولمة التواصل وقابلية الحدود للاختراق، بل بات كبعد أساسي ضمن أدبيات الجيوبوليتيك المعاصرة.

ووفقاً لمنظري العلاقات الدولية، تُعرف الدبلوماسية الثقافية بأنها تبادل الأفكار والمعلومات والفنون وباقي جوانب الثقافة بين الدول والشعوب من أجل تعميق التفاهم، وعادة ما تُسند ممارسة القوة الناعمة إلى أجهزة تسمى بالدبلوماسية العامة، ذلك النشاط الذي يهم مختلف البرامج التي تنفذ خارج الحدود في تواصل مباشر مع النخب والجماهير الأجنبية أو فئات مستهدفة منها، ويشمل ذلك تدفقات إعلامية وتواصلية وثقافية لبناء أفكار وقناعات معينة لدى الجهات والدول المستهدفة من الرسالة الإعلامية.

وتعمل سلطنة عُمان على توظيف الدبلوماسية الثقافية التوظيف الأمثل والذي يتوافق مع ثوابت سياستها الخارجية، وتطبيقاً لذلك شاركت سلطنة عُمان في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ودشنت الدورة الـ 23 لمعرض مسقط الدولي للكتاب وسط مشاركة مصرية متميزة، إذ تشارك 150 دار نشر في فعاليات المعرض، وتشارك عُمان بفاعلية في فعاليات معرض “فيلنيوس” الدولي للكتاب في ليتوانيا.

تهدف المشاركة العُمانية في معارض الكتاب الخارجية إلى إبراز التراث الثقافي والتاريخي والأدبي العُماني، وزيادة تفعيل التواصل الثقافي مع مختلف دول العالم.

ودائماً ما تضم الأجنحة العُمانية العديد من الإصدارات والعناوين المختلفة في شتى التخصصات الأدبية والفنية والفكرية والعلمية والتاريخية وغيرها، إضافة إلى اصدارات باللغة العربية وعدد من اللغات الأجنبية، فضلاً عن تخصيص ركن لعرض الأفلام الوثائقية التي تتناول الجوانب الثقافية والتراثية والسياحية.

وتنظر سلطنة عُمان إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب باعتباره واحة للمعرفة والثقافة وواحداً من أهم المعارض على مستوى الشرق الأوسط، بل والعالم، لذا تحرص وزارة الإعلام العُمانية على المشاركة فيه، نظرا للإقبال الكبير الذي يشهده المعرض من مختلف الشرائح العمرية والنخب الثقافية والفكرية، وكذا المؤسسات الثقافية والعلمية والتعليمية التي تزور جناح سلطنة عُمان للحصول على الكتب والمراجع المهمة في كافة المجالات.

وفي ذات السياق، يعد معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته الجديدة الثالثة والعشرين، واحداً من المعارض الدولية المهمة على المستوى الخليجي، إذ يعتبره المثقفون إطلالة حضارية وثقافية عُمانية متجددة على العالم، يعرضون خلاله إبداعاتهم الأدبية والثقافية دون حظر أو تقييد، وتشهد الدورة الجديدة للمعرض مشاركة 783  دار نشر من 28 دولة ، بينها 603 تشارك بشكل مباشر و180 تشارك عبر توكيلات.

تعمل سلطنة عُمان باستمرار على إدخال التحديثات الثقافية المستمرة على فعاليات المعرض، بما يتواكب مع التقنيات الحديثة والتدفق المعلوماتي في عصر أصبح فيه العالم عبارة عن “قرية كونية” من خلال شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت” والتي صاحبها التطور غير المسبوق في الإعلام الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي من تويتر وفيس بوك وغيرها من الأدوات العصرية الجديدة.

كانت فعاليات الدورة الـ22 لمعرض مسقط الدولي للكتاب 2017،  قد شهدت حضوراً ثقافياً مصرياً متميزاً، يعكس عمق العلاقات بين مصر وسلطنة عُمان في مختلف المجالات، إذ جسدت ندوة (يوسف الشاروني مثقفاً وإنساناً)، تأكيداً علي التقدير لثراء إبداعاته، حقيقة العلاقات الثقافية المتميزة بين مصر وعُمان.

وكان معرض مسقط الدولي للكتاب 2016، قد شهد ندوة لتكريم الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل بُعيد أيام قليلة من رحيله ضمن فعاليات المعرض، وقد أشادت وسائل الإعلام في سلطنة عُمان بالراحل المبدع فاروق شوشة، وذكرت أنه شارك في عضوية فريق العمل الذي عكف علي إنجاز موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية والتي صدرت في عدة مجلدات في ثمانينيات القرن الماضي.

كما تعد كراسي السلطان قابوس العلمية من المشاريع الثقافية التي تتواصل من خلالها عُمان مع الآخر، حيث تم إنشاء 16 كرسياً وأستاذية وزمالة تحمل اسم السلطان قابوس، تتوزع في 13 جامعة عالمية تتنوع مجالاتها بين العلوم الإنسانية والتطبيقية.

تعمل هذه المنظومة على تفعيل التعاون والتبادل الثقافي والعلمي بين السلطنة والجامعات العالمية، والتقريب بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية والتلاقي الحضاري بين الشعوب، الذي من شأنه ترسيخ المبادئ والقيم المشتركة وتعزيز التفاهم والتعايش والسلم في العالم أجمع.

إجمالي القول أن الدبلوماسية الثقافية العُمانية تشكل الوجه الأبرز لسياسات القوة الناعمة، التي استلهمت من خبرتها البحرية التاريخية والحضارية في آسيا وأفريقيا وما وراء البحار، لبلورة مفهوم القوة الناعمة في العصر الحديث للعلاقات الدولية.

اترك رد

×

%d مدونون معجبون بهذه: